محمد بن وليد الطرطوشي
198
سراج الملوك
إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلما جمّا لو أصبت له حملة « 1 » بلى ، قد أصبت له لقنا « 2 » غير مأمون عليه ، يستعلم آلة الدين للدنيا ، فيستظهر « 3 » بحجج الله تعالى على كتابه - أو كما قال - وبنعمته على عباده ، أو منقادا لأهل الحق « 4 » لا بصيرة له في أحنائه « 5 » ، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ، ألا لا ذا ، ولا ذاك . أو مهموما باللذائذ « 6 » ، سريع الانقياد للشهوات ، أو آخر شأنه جمع المال والادخار ، ليسا من رعاة الدين ، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة ، اللّهمّ فكذلك يموت العلم بموت حامليه . ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله سبحانه بحجة ، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته . ومن أولئك ؟ وأين أولئك ؟ أولئك الأقلون عددا ، الأكثرون عند الله قدرا ، تخزن الحكمة في قلوبهم حتى يزرعوها في قلوب أشباههم ، ويودعونها في صدور نظرائهم . هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فباشروا روح اليقين ، فاستلانوا ما استخشنه المترفون « 7 » ، واستأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأجساد أرواحها متعلّقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في بلاده ، ودعاته إلى دينه ، آه ، شوقا إلى رؤيتهم . * * *
--> ( 1 ) لو أصيب له حملة : لو وجدت له حاملين لأبرزته وبثثته . ( 2 ) اللقن : الذي يفهم بسرعة . ( 3 ) يستظهر : يستعين . ( 4 ) في نهج البلاغة ( منقادا لحملة الحق ) : أي المنساق المقلد في القول والعمل لا بصيرة له في دقائق الحق وخفاياه . ( 5 ) كذا في نهج البلاغة : ( لا بصيرة له في أحنائه ) : أي جوانبه وفي ( ط ) أخباته : تواضعه وخشوعه . ( 6 ) في نهج البلاغة : ( أو منهوما باللذة ) : أي المفرط في شهوة الطعام . ( 7 ) في نهج البلاغة : ( استلانوا ما استعوره المترفون ) : أي ما وجده أهل الترف والنعيم وعرا خشنا عدوّه ليّنا .